هل «مجلس السلام» إعلان وفاة الأمم المتحدة؟

بقلم: ناصر السلاموني
وُلدت الأمم المتحدة عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بعدما أدركت البشرية أن استمرار العالم بمنطق القوة وحده لا يؤدي إلا إلى الدمار الشامل، وأن غياب إطار دولي جامع ينظم العلاقات بين الدول يفتح الباب أمام الحروب والفوضى. وجاء تأسيس المنظمة على أمل حفظ السلم والأمن الدوليين، واحترام سيادة الدول، وحماية حقوق الإنسان، ومنع تكرار المآسي التي عصفت بالعالم في النصف الأول من القرن العشرين. غير أن هذا الحلم الأممي بات اليوم موضع شك عميق، في ظل العجز المتكرر عن وقف النزاعات، وعلى رأسها المأساة المستمرة في فلسطين.
وخلال العقود الأخيرة، تآكل دور الأمم المتحدة تدريجيًا، لا بسبب ضعف نصوص ميثاقها أو آلياتها، بل نتيجة تعطيلها المتعمد من قبل القوى الكبرى، وفي مقدمتها الاستخدام المتكرر لحق النقض لإجهاض أي قرار ينصف الشعب الفلسطيني أو يطالب بحمايته. وقد تجلى هذا العجز بأوضح صوره في العدوان المتواصل على غزة، حيث فشل مجلس الأمن في إصدار قرارات ملزمة، وتحولت الجمعية العامة إلى منصة خطابية بلا تأثير فعلي، بينما تُرتكب الجرائم على مرأى ومسمع من العالم.
ولم يقتصر التراجع الأممي على الجانب السياسي، بل امتد ليشمل استهداف المؤسسات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها وكالة «الأونروا»، التي تمثل الشاهد الدولي الأبرز على قضية اللاجئين الفلسطينيين. فقد جرى التشكيك في دورها ومحاصرتها ماليًا وسياسيًا، في محاولة واضحة لتصفية أحد أعمدة القضية الفلسطينية. كما جرى تجاهل اتفاقيات سلام موقعة، ومنها اتفاق شرم الشيخ، والتغاضي عن الالتزامات الدولية المرتبطة بها، بما يعكس ازدواجية المعايير وغياب الإرادة الدولية الجادة.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برز ما يسمى بـ«مجلس السلام» الخاص بغزة، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة غير مسبوقة في العلاقات الدولية. ولم يتردد ترامب في الإعلان صراحة أن الأمم المتحدة قد فشلت، وأن المجلس الذي يعمل على إنشائه قد يكون بديلًا عنها. ووفق الطرح الأمريكي، يتولى هذا المجلس إدارة قطاع غزة، والإشراف على نزع السلاح، وإعادة الإعمار، ومنح ما وُصف بـ«الشرعية الدولية» لخطة السلام الأمريكية، مع فتح الباب أمام تدخله في نزاعات أخرى، ما يعني عمليًا إخراج القضية الفلسطينية من إطارها الأممي والقانوني.
وقد تزامن هذا الطرح مع تصريحات أُطلقت في منتدى دافوس الاقتصادي، كشفت بوضوح عن اتجاه متزايد لإدارة القضايا الدولية الكبرى بمنطق القوة والهيمنة. فقد طُرحت قضايا تتعلق بجرينلاند، وفنزويلا، وإعادة توزيع مناطق النفوذ الاستراتيجي، في مؤشر على تحوّل النظام الدولي من الاعتماد على المؤسسات متعددة الأطراف إلى قرارات أحادية تصدر عن القوى الأكثر نفوذًا، دون اكتراث كافٍ بالشرعية الدولية أو سيادة الدول.
والمفارقة اللافتة أن هذا المسار لم يحظَ بإجماع حتى داخل المعسكر الأمريكي–الإسرائيلي ذاته، إذ شنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت هجومًا حادًا على انضمام قطر وتركيا إلى مجلس السلام، مستخدمًا لغة هجومية غير مسبوقة، واعتبر ذلك فشلًا سياسيًا لحكومة نتنياهو وهزيمة دبلوماسية لإسرائيل. ويكشف هذا التناقض عن هشاشة الطرح برمته، ويثير تساؤلات جوهرية حول قدرة مجلس كهذا على تحقيق سلام حقيقي في ظل انقسامات حادة وتناقضات عميقة.
ما يشهده العالم اليوم يعكس تراجع الدور الحقيقي للأمم المتحدة، التي باتت عاجزة عن فرض قراراتها أو حماية مبادئها، بعد أن خضعت لإرادة القوى الكبرى وحق النقض. ومع تهميش الشرعية الدولية والالتفاف على القانون الدولي، يعود العالم إلى منطق القوة والهيمنة، حيث تُفرض الحلول وفق ميزان النفوذ لا العدالة. وفي هذا السياق، لا يبدو «مجلس السلام» طريقًا إلى سلام عادل، بقدر ما يمثل ملامح نظام دولي جديد تُدار فيه الأزمات بمنطق المصالح، وعلى حساب حقوق الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.



