دور الوكالة التمثيلية للشرطة الصينية وشرطة نانتونغ فى شنغهاى داخل تل أبيب 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
أفادت تقارير حقوقية وإستخباراتية دولية بوجود نشاط لمركز شرطة صيني سرى فى إسرائيل، يتبع تحديداً لشرطة مدينة نانتونغ الصينية
(Nantong)
فى (مقاطعة جيانغسو الصينية)، بهدف ملاحقة المعارضين الصينيين، الذين إستطاع جهاز الموساد الإسرائيلى إستقطابهم للجوء والعمل داخل تل أبيب. ويبرز دور شرطة نانتونغ فى قلب تل أبيب، من خلال ما كشف عنه موقع منظمة “سيف غارد ديفندرز” الأسبانية فى ديسمبر ٢٠٢٢
Safeguard Defenders
من أن مقر شرطة نانتونغ الصينية أدارت مركزاً فى إسرائيل منذ أبريل ٢٠٢٠، وبأن هذا المركز الصينى لديه غطاء قانونى داخل إسرائيل، ويعمل تحت مسمى “مركز خدمة صينيى الخارج” أو
(Overseas Chinese Linkage Service Centers)
وبظاهر إدارى صينى لخدمة مواطنيها فى إسرائيل والخارج، لتقديم خدمات مثل: تجديد رخص القيادة، لكن هدفه الفعلى هو مراقبة المعارضين الصينيين ممن تم إستقطابهم من قبل جهاز الموساد الإسرائيلى والشاباك للعمل ضد مصالح الصين. مع ملاحظة مشاركة أشخاص يمثلون “محطة عمل إسرائيل”، مثل “شو ويسونغ” فى إجتماعات رسمية بالفعل لشرطة نانتونغ الصينية عبر الفيديو، وظهرت صور لهم وخلفهم العلمان الصينى والإسرائيلى. وفى حقيقة الأمر، فتكمن طبيعة مهمة عمل “شرطة نانتونغ الصينية” داخل تل أبيب ضد المعارضين الصينيين الملاحقين فى بكين، من الذين تم إستقطابهم للجوء لإسرائيل من قبل جهاز الموساد الإسرائيلى لتهويدهم وتجنيدهم فى جيش الدفاع الإسرائيلى، لخدمة مصالح تل أبيب المستقبلية فى مواجهة العرب والصين على حد سواء.
وهنا وجه التقرير الحقوقى الأسبانى لمنظمة “سيف غارد ديفندرز” المنشور فى ديسمبر ٢٠٢٢ عدة إتهامات للصين، بتفعيل وكالة سرية فى إسرائيل لتعقّب معارضى النظام الصينى على الأراضى الإسرائيلى، وذلك دون علم السلطات فى إسرائيل، وفق ما تزعمه المنظمة الحقوقية الأسبانية
Safeguard Defenders
وبحسب التقرير الحقوقى الأسبانى، فإن المكتب التمثيلى للصين فى قلب تل أبيب قائم منذ أكثر من عامين ونصف، مع وجود تأكيدات بأن الشرطة الصينية تقوم بأكثر من ١١٠ مهمة مماثلة حول العالم. وتتخذ تلك الخطوة أهمية كبيرة وخطيرة، لا سيما أن آلاف الصينيين يعملون فى إسرائيل، علماً بأن السلطات الإسرائيلية بما فى ذلك أجهزة الإستخبارات الداخلية والخارجية الإسرائيلية (الشاباك والموساد) رفضوا التعقيب على محاولات (موقع والا العبرى) الإستفسار عن صحة هذه المعلومات من عدمها.
مع الوضع فى الإعتبار، بأن مهمة إدارة تلك الوكالة التمثيلية للشرطة الصينية داخل تل أبيب قد أسندت إلى (شرطة نانتونغ)، الواقعة غرب الصين شمال مدينة شنغهاى. وفي نهاية أبريل ٢٠٢٠، أقامت شرطة نانتونغ حدثاً شارك فيه شخص يدعى “شو وينسونغ”، قُدم على أنه يعمل فى السفارة الصينية فى إسرائيل.
لذا باتت مهمة عمل هذه المراكز والمكاتب والوكالات التمثيلية الصينية القائمة بعملها مراكز شرطة صينية كفرع مركز شرطة نانتونغ الصينى فى شنغهاى، إلى تعقب المعارضين السياسيين والمواطنين الصينيين المطلوبين لبكين، وممارسة ضغوط عليهم أو على عائلاتهم في الصين، لإجبارهم على العودة، فيما يسمى عمليات “الإقناع بالعودة”.
ولكن مع وجود إتهامات أمريكية وإسرائيلية وغربية لتلك المراكز ووكالات الشرطة الصينية التمثيلية فى الخارج بـ “تجاوز السيادة الوطنية”، بالنظر لكون تلك الأنشطة تتم دون علم وإخطار رسمى كامل من السلطات الإسرائيلية أو عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة، مما يشكل خرقاً للقوانين المحلية والدولية وفق ما يوجه لها من إتهامات، وهو ما تنفيه الصين بشدة.
مع ملاحظة أن طبيعة مهمة وعمل وكالات الشرطة الصينية فى الخارج وتحديداً فى قلب تل أبيب، يكمن فى إختراق الأجهزة الإستخباراتية الإسرائيلية (الموساد والشاباك)، والتى تسعى إلى حماية وإستقطاب المعارضين الصينيين فى مواجهتها. ومن هنا بدأ التحرك الإسرائيلى فى مواجهة الوكالات السرية التمثيلية للصين داخل تل أبيب، بمجرد إنتشار عدداً من التقارير حول طبيعة مهمة عمل تلك الوكالات التمثيلية للصين، حيث أفادت مصادر في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى “بنيامين نتنياهو” فى نهاية عام ٢٠٢٢، بأن الأجهزة الأمنية فى إسرائيل بدأت بفحص الموضوع بجدية تامة.
وتعددت التحليلات بأن مهمة وكالات الشرطة الصينية التمثيلية فى الخارج هى (إفشال مهمة الحماية لبعض المعارضين الصينيين فى الخارج)، مع وجود تقارير تشير إلى أن نشاط الشرطة الصينية السرى، كان يهدف بالأساس إلى الإلتفاف على حماية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، التى تمنح حق اللجوء أو الحماية لبعض المعارضين الصينيين هناك، وذلك عبر الوصول إليهم مباشرة من خلال خلايا نائمة أو مراكز غير معلنة، تعمل داخل المجتمع الصيني المقيم في إسرائيل.
ووفقاً لفهمى، فلقد نجحت أنشطة الوكالات التمثيلية للشرطة الصينية وشرطة نانتونغ فى شنغهاى فى إفشال مهمة الموساد بشكل كبير فى إستقطاب وحماية المعارضين الصينيين فى تل أبيب والخارج، لكن نشاط (شرطة نانتونغ الصينية) إعتُبر إختراقاً أمنياً كبيراً لصالح الصين فى إسرائيل، حيث سمح لبكين بممارسة سلطات فعلية لها داخل الأراضى الإسرائيلية وبشكل موازٍ لعمل الأجهزة الأمنية المحلية، وهو ما يمكن إعتباره بمثابة تهديد للمعارضين الصينيين، الذين كان يعتقد جهازى الموساد والشاباك الإسرائيليين أنهم فى مأمن داخل إسرائيل.
ومن هنا نفهم طبيعة عمل هذه الوكالات والمراكز التمثيلية للصين فى تل أبيب والخارج، ونفهم من خلالها كيفية إختراق أجهزة الإستخبارات الصينية لجهاز الموساد الإسرائيلى والشاباك ووكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية وإفشالها مخططاتهم فى الإضرار بمصالحها لحماية معارضيها فى الخارج.
مع ملاحظة أن، أجهزة الإستخبارات الصينية لا تلعب وفق قواعد التجسس القديمة، إذ لا يبدو أنها تهتم إذا تم القبض على جواسيسها، ولا تبذل مجهوداً لمبادلتهم عندما يتم القبض عليهم. وتتميز عمليات الإستخبارات الصينية بأنها لا مركزية، وتمتد عبر عدد لا يحصى من الوكالات التمثيلية وشركات القطاع الخاص، وهى تعمل بشكل مستقل إلى حد كبير، وفق أساليب عشوائية، لكنها تلتزم بالأهداف الشاملة للحكومة الصينية. خاصةً مع تشديد الرئيس الصينى “شى جين بينغ” منذ توليه السلطة فى عام ٢٠١٢، على أهمية الأمن القومى الصينى، داعياً المسؤولين والمواطنين العاديين على حد سواء إلى درء التهديدات التى تواجه مصالح الصين فى كل مكان حول العالم.
مع الوضع فى الإعتبار، وبصفتى خبيرة مصرية متخصصة فى الشأن السياسى الصينى وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، بأن الصين فى الأغلب لا تلجأ لإنشاء مثل هذه الوكالات التمثيلية السرية المترامية فى الخارج فى عدد من الدول العربية بالنظر لقوة العلاقة بين الصين والعالم العربى، الذى لا يلجأ للإضرار بمصالح الصين فى حماية وإستقطاب المعارضين الصينيين داخل بلادهم حفاظاً على مصالح الصين معهم، خاصةً لطالما صوتت الصين فى الأمم المتحدة لصالح دولة فلسطين وضد إسرائيل. وهذا وعلى الرغم من العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الصين وإسرائيل، حيث تحتفظ إسرائيل بسفارة فى العاصمة الصينية بكين وقنصليات إسرائيلية عامة فى مقاطعات (قوانغتشو وتشنغدو وهونغ كونغ وشنغهاى) فى الصين، بينما تحتفظ الصين بسفارة فى العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، للحفاظ على شبكة مصالحها الإقتصادية والتجارية هناك ولخدمة الجالية الصينية الصغيرة داخل تل أبيب، والتى تتألف من عدة مجموعات منفصلة، بما فى ذلك مجموعات اليهود من الصين الذين هاجروا إلى إسرائيل عن طريق الهجرة، بالإضافة إلى الطلاب الصينيين الذين يدرسون في الجامعات الإسرائيلية، ورجال الأعمال، والتجار، والعمال الضيوف، إلى جانب المواطنين الإسرائيليين من أصل صينى.
ومن هنا نفهم مدى إعتماد أجهزة الإستخبارات الصينية على عدد من وكالات الأمن والشركات الخاصة وحتى المدنيين لجمع المعلومات على نطاق واسع وغير مسبوق. وهو ما جاء فى تحقيق مستقل أجراه الكونغرس الأمريكى، بأن رافعات الشحن الصينية المستخدمة فى الموانئ الأمريكية تحتوى على تكنولوجيا مدمجة يمكن أن تتحكم فيها بكين سراً للحصول على أسرار عسكرية أمريكية. كما زعمت الحكومة الأمريكية فى وقت سابق، بأن أحد كبار المساعدين السابقين لحاكم نيويورك “كاثى هوشول” قام بأنشطة تجسس لصالح الصين. وفى سبتمبر ٢٠٢٤، زعمت السلطات الأمريكية أن (٥ مواطنين صينيين من خريجى جامعة ميشيغان الأمريكية)، عُثر عليهم فى منتصف الليل وهم يلتقطون صوراً على مقربة من مركبات عسكرية فى (تدريبات للحرس الوطنى الأمريكى)، شملت أفراداً من الجيش التايوانى، وإدعوا أنهم كانوا يراقبون النجوم. وفى مايو ٢٠٢٤، أكد مسؤولو المخابرات الكندية، بأن الصين حاولت على الأرجح التدخل فى إنتخابات فيدرالية، وشمل ذلك نقل الطلاب الصينيين من المقيمين والحاصلين على الجنسية الكندية بالحافلات للتصويت لمرشحها المفضل.
وعلى الجانب الآخر، فقد سعت بيكين فى الوقت ذاته إلى إغتنام فرصة الشراكة والتعاون مع تل أبيب، والإستثمار فيها لنقل التكنولوجيات إليها، وأرسلت فى هذا الإطار أكاديميين إلى إسرائيل وأنشأت هناك مراكز بحث وتطوير، وإشترت عدة شركات رائدة. كما إستهدفت الصين لاحقاً الإستثمار فى أكبر شركتين مصدّرتين للسّلاح فى إسرائيل، وهما (شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية وشركة رفائيل المصنّعة للأسلحة)، ولدى الشركتين فروع فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتساعدان على تصنيع الأسلحة الإسرائيلية الأكثر تطوراً، بما فى ذلك الصواريخ وإلكترونيات الطيران.
وبشكل عام، تتبع المخابرات الصينية إستراتيجية “النفس الطويل” فى إسرائيل، حيث تدمج بين الأدوات الإقتصادية، السيبرانية، والبشرية لتحقيق أهداف استراتيجية. وتتلخص أبرز “طرق لعبها” وتكتيكاتها فى التغلغل عبر البنية التحتية الإستراتيجية، حيث تعتمد الصين على “القوة الناعمة” من خلال الفوز بمناقصات لإدارة وبناء مرافق حيوية، مثل (الموانئ)، وهنا تدير شركة صينية تسمى شركة سيبغ
“SIPG”
الصينية محطة للحاويات فى ميناء حيفا الجديد، وهو ما يثير قلقاً أمنياً كبيراً بسبب قرب الميناء من القواعد البحرية الإسرائيلية التى تستضيف أحياناً قطعاً بحرية أمريكية. كما تشارك شركات صينية في بناء محطات للنقل والطاقة، مثل (شركة داليا إنيرجى الصينية) وشبكات القطار الخفيف فى تل أبيب، مما يمنحها إمكانية الوصول إلى خرائط وبيانات تحت أرضية حساسة. هذا فضلاً عن نجاح الصين فى عمليات التجسس الرقمى والهجمات السيبرانية “تحت علم مستعار” داخل تل أبيب، وهنا تعد الهجمات السيبرانية الصينية ضد إسرائيل من بين الأكثر تطوراً فى خداع الهوية، حيث كشفت عدة تقارير أمنية، مثل تقرير “فاير آى”
(FireEye)
عن قيام مجموعة التجسس الصينية المعروفة بإسم “يو إن سى ٢١٥”
UNC215
بشن هجمات سيبرانية صينية ضد مؤسسات حكومية وتقنية إسرائيلية، مع تعمد إستخدام لغة “فارسية” وأدوات توحى، بأن المصدر هو إيران لتضليل المحققين.
كما إستهدفت آلية العمل الصينية داخل تل أبيب ما يعرف بإسم “الشركات القشة”، حيث تعمل الصين أحياناً من خلال شركات وسيطة أو وهمية لإقامة شراكات مع شركات دفاعية إسرائيلية بهدف الحصول على تكنولوجيا عسكرية وأسرار تقنية بطرق تبدو تجارية مشروعة.
كما نشطت أجهزة الإستخبارات الصينية داخل إسرائيل فى قطاعات “إنترنت الأشياء” والأجهزة الذكية، وهنا باتت تُثار مخاوف متزايدة من استخدام المنتجات الاستهلاكية الصينية كأدوات لجمع البيانات، مثل التوسع فى قطاع إستخدام السيارات الكهربائية الصينية فى السوق الإسرائيلى، مع إستحواذ السيارات الصينية على أكثر من ٧٠% من سوق السيارات الكهربائية داخل إسرائيل لعام ٢٠٢٤، وهنا حذر خبراء عسكريين وأمنيون تابعون لجهازى الموساد والشاباك الإسرائيليين، من أن هذه السيارات الكهربائية الصينية، مزودة بكاميرات وحساسات ونظام “جى بى إس”
GPS
وتعمل كحواسيب متنقلة، قادرة على جمع صور وبيانات دقيقة حول كافة التحركات خاصةً العسكرية داخل إسرائيل.
كما باتت تنتشر كاميرات المراقبة من إنتاج شركات صينية داخل إسرائيل، مثل شركات “هيك فين و داهوا”
Hikvision & Dahua
فى البلديات والمرافق العامة الإسرائيلية، وذلك على الرغم من كونها شركات صينية مدرجة على القائمة السوداء فى الولايات المتحدة الأمريكية لمخاوف تتعلق بالتجسس الصينى على المصالح الأمريكية.
وعلى الصعيد الآخر، تلاحق الإتهامات للصين بالتجسس الأكاديمي وملاحقة المعارضين الصينيين داخل الأراضى الإسرائيلية، عبر إنتشار العديد من المراكز التعليمية الصينية فى تل أبيب، فقد رصدت تقارير إسرائيلية محاولات لإستخدام فصول اللغة الصينية والمحاضرين الصينيين فى الجامعات الإسرائيلية للتقرب من باحثين وأكاديميين إسرائيليين فى تخصصات حساسة. كما كشفت عدة تقارير أخرى، عن إدارة الصين لوكالات سرية داخل إسرائيل لملاحقة وتتبع معارضى النظام الصينى من المقيمين هناك.
ويبقى الهدف الأكبر بالنسبة للصينيين هو الحصول على (الأسرار الأمريكية)، مع الإدراك الكامل لأجهزة المخابرات الصينية بأن إسرائيل شريك تقنى وعسكرى وثيق للولايات المتحدة الأمريكية، لذا فإن الكثير من جهودها فى إسرائيل تهدف إلى الوصول لتقنيات أمريكية المنشأ أو أسرار تتعلق بالتعاون العسكرى المشترك بين واشنطن وتل أبيب، وهو ما دفع واشنطن لممارسة ضغوط شديدة على إسرائيل للحد من الإستثمارات الصينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى