إستراتيجية المخابرات الصينية لإستخدام قوة غوانشى الصينية داخل تل أبيب لوقف الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تعتمد أجهزة المخابرات الصينية فى إسرائيل على إستغلال شبكات العلاقات الشخصية البطيئة والعميقة لتجنيد أو جمع معلومات من خبراء عسكريين وإقتصاديين إسرائيليين يعملون فى قلب تل أبيب، وهو ما يعرف وفقاً للمصطلح الصينى بـ (قوة غوانشى) أو Guanshi
وفى مواجهة المحاولات الإستخباراتية والعسكرية الصينية لإختراق الداخل الإسرائيلى، أبدى مسؤولون أمنيون إسرائيليون من جهازى الموساد والشاباك الداخلى فى تل أبيب قلقهم من أن العمال الصينيين فى مشاريع البناء الكبرى القريبة من منشآت أمنية قد يكون لديهم القدرة على رؤية ما يحدث داخل تلك المواقع أو زرع أجهزة تنصت وتقنيات مراقبة صينية متطورة. حيث تشارك شركات صينية حكومية فى بناء مشاريع ضخمة فى تل أبيب، مثل خط مترو الأنفاق الإسرائيلى المعروف بإسم (الخط الأحمر) وتطوير الموانئ. كما إعتمدت الأجهزة والدوائر المعنية والإستخباراتية الصينية على قوة شبكة غوانشى السرية المترامية داخل تل أبيب للحصول على كافة الخطط الإسرائيلية بعيدة المدى وراء الإعتراف بصوماليلاند وتكنولوجيا الدفاع السرية الإسرائيلية المعروفة بإسم (القبة الحديدية الإسرائيلية) وكيفية ربطها إسرائيلياً بنظام الدفاع الجوى التايوانى الجديد متعدد الطبقات المسمى “تى – دوم”، ومن أجل ذلك تزايدت حدة التوتر فى هذا الملف بين الصين وإسرائيل لمساعدتها تايوان عسكرياً فى بداية عام ٢٠٢٦، لتزايد ملف التعاون العسكرى الصينى الإيرانى فى مواجهة زيادة أوجه التعاون العسكرى الإسرائيلى التايوانى الصوماليلاند، ومن أجل ذلك باتت المخابرات الإسرائيلية والأمريكية تراقب عن كثب الدعم الصينى المتزايد لبرامج الصواريخ الإيرانية، مما جعل أى نشاط صيني داخل تل أبيب تحت مجهر الرقابة المشددة من قبل جهازى “الشاباك” و”الموساد” للإستخبارات الداخلية والخارجية لإسرائيل.
ودأبت الصين على إستخدام (قوة غوانشى الإستخباراتية) داخل تل أبيب لوقف كافة أشكال التلاعب الإسرائيلى بها عبر إعترافها بصوماليلاند فى مواجهتها ودعم ومساعدة تايوان عسكرياً لزعزعة إستقرار بكين، عبر زرع تقنيات سيبرانية متطورة لإختراق كافة الشبكات الداخلية للشركات الإسرائيلية التى تتعاون مع الأجهزة الأمنية والعسكرية والإستخباراتية المختلفة، كوزارة الدفاع الإسرائيلية وكافة المؤسسات العسكرية داخل تل أبيب، فضلاً عن إختراق الصين عبر قوة غوانشى لمبنى جهازى الموساد والشاباك الإسرائيليين.
كما أثيرت مخاوف أمنية إسرائيلية وأمريكية كبيرة، بشأن مساعى الصين لنقل سفارتها فى تل أبيب إلى موقع قريب جداً من مقر جهاز الموساد الإسرائيلى وبالقرب من قاعدة “جليلوت” القائمة بعمل (مركز الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية) فى شمال تل أبيب. حيث يمنح هذا الموقع بكين قدرة تقنية عالية على مراقبة كافة التحركات الميدانية الإسرائيلية والأمريكية فى مواجهتها من قلب تل أبيب ذاتها، وبالتالى يتيح لأجهزة الإستخبارات الصينية إعتراض كافة الإشارات اللاسلكية والسيبرانية الصادرة من هذه المراكز الحساسة داخل تل أبيب.
كما إستهدفت أجهزة الإستخبارات الصينية عن طريق (قوة غوانشى الإستخباراتية الصينية) كافة أشكال التعاون التكنولوجى والدفاعى بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق مراقبة الصفقات بينهما، حيث تسعى بكين لتتبع الأنشطة التجارية والدفاعية بين إسرائيل والولايات المتحدة، خاصةً فى مجالات بيع الأسلحة المتقدمة والتكنولوجيا المزدوجة، فضلاً عن (تكثيف إستراتيجية غوانشى الإستخباراتية الصينية لخدمة أجندتها داخل تل أبيب عبر لعبة الإختراق الأكاديمى)، فقد رصدت تقارير إستخباراتية وعسكرية إسرائيلية وأمريكية عدة محاولات صينية لجمع معلومات علمية وتقنية من خلال التغلغل فى الجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية فى قلب تل أبيب تحت ستار التعاون الأكاديمى وتعليم اللغة الصينية، وهو ما يضرب منظومة الأمن القومى الإسرائيلى والأمريكى فى الصميم لصالح أجهزة الإستخبارات الصينية. كما كثفت أجهزة الإستخبارات الصينية من إستراتيجية مراقبة “التكنولوجيا المزدوجة الإستخدام مدنياً وعسكرياً والتجسس السيبرانى لإسرائيل” فى مواجهتها عن طريق حظر تصدير التكنولوجيا الصينية لإسرائيل، من خلال فرض الصين قيوداً غير معلنة أو مقاطعة صامتة على تصدير المكونات الإلكترونية المتقدمة إلى إسرائيل، خوفاً من إستخدامها فى المجهود الحربى بغزة.
وفى مواجهة المحاولات الإستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية لإنشاء قاعدة عسكرية فى إقليم صوماليلاند الإنفصالى، لاسيما بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلى “جدعون ساعر” لهرجسيا عاصمة إقليم صوماليلاند الإنفصالى، جاء الدفع الصينى بوزير خارجيتها “وانغ يى” لزيارة العاصمة الشرعية للصومال “مقديشو” فى بداية يناير ٢٠٢٦ فى مواجهة زيارة وزير الخارجية الإسرائيلى “جدعون ساعر” لصوماليلاند الإنفصالى، وهنا نشطت أجهزة الإستخبارات الصينية عن طريق تكثيف الإعتماد على قوة غوانشى الإستخباراتية الصينية داخل إسرائيل نفسها، حيث تبنت الصين إستراتيجية “القوة الناعمة والتغلغل الإقتصادى” كغطاء لأنشطتها المعلوماتية بالقرب من مراكز صنع القرار والأمن داخل إسرائيل، وتحديداً فى تل أبيب لمعرفة وتتبع كافة أوجه الخطرالإسرائيلية فى مواجهة مصالح الصين فى منطقة الشرق الأوسط عبر الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند أو وقف وتتبع كافة أشكال الدعم الإسرائيلى العسكرى لتايوان فى مواجهة الصين.
ومن أجل ذلك، تزايدت مخاوف الموساد والشاباك الإسرائيليين من النشاط الإستخباراتى الصينى الداخلى فى تل أبيب، مع تتحذير أجهزة الأمن والإستخبارات الداخلية والخارجية الإسرائيلية (الشاباك والموساد) من مخاطر التجسس الصينى عبر السيارات الكهربائية الصينية التى يستخدمها ضباط الجيش الإسرائيلى بالأساس فى تحركاتهم، مما دفع الجيش الإسرائيلى للبدء فى إلغاء عقود تأجير هذه السيارات الكهربائية الصينية وتغيير الهواتف المحمولة للضباط الكبار فى صفوف الجيش الإسرائيلى من أندرويد إلى آيفون لتجنب الثغرات المحتملة. كما رصدت تقارير إستخباراتية وعسكرية إسرائيلية عدة حملات تجسس سيبرانية صينية إستهدفت مؤسسات حكومية وشركات إتصالات إسرائيلية لجمع بيانات تخدم مصالح بكين الإستراتيجية فى المنطقة، ولاسيما تتبع إتصالات إسرائيل الرسمية مع النظام التايوانى المعارض للصين وتتبع علاقات تل أبيب الجديدة مع إقليم صوماليلاند الإنفصالى، ووقف أى عمليات عسكرية إسرائيلية تهدف لبناء قاعدة عسكرية إسرائيلية فى صوماليلاند للإضرار بمصالح الصين ومبادرتها للحزام والطريق فى المنطقة، عبر وقف التحكم الإسرائيلى وبالتالى الأمريكى بشبكة المضائق والممرات البحرية فى خليج عدن ومضيق باب المندب ومضيق هرمز التى تمر بها معظم الإستثمارات والأنشطة التجارية والإقتصادية الصينية، وهو ما تحاول أن تتصدى له الصين.
وجاء الرد الصينى الصارم على إسرائيل للإضرار بمصالحها فى منطقتى القرن الأفريقى الحساسة والشرق الأوسط، خاصةً بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلى “جدعون ساعر” لصوماليلاند والإتفاق على بناء قاعدة عسكرية إسرائيلية هناك فضلاً عن دعم إسرائيل لنظام الدفاع الجوى التايوانى وربطه بنظام القبة الحديدية الإسرائيلى، عبر التقارب الصينى الوثيق مع حليفتها الإيرانية فى المنطقة لتتبع أنشطة الإستخبارات الإسرائيلية المعادية للصين ومصالحها فى المنطقة. ومن أجل ذلك كثفت أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية من أوجه مراقبتها لتقارب الصين مع إيران (العدو الأول للموساد) وحلفائها، حيث إستمرت بكين فى تمويل الإقتصاد الإيرانى عبر شراء النفط بكميات كبيرة منها. كما جاء العثور على العديد من مخازن الأسلحة الصينية داخل قطاع غزة وبين أيادى مقاتلى حركة حماس ليزيد التوتر بين إسرائيل والصين، حيث عثرت القوات العسكرية الإسرائيلية داخل قطاع غزة على كميات كبيرة من الأسلحة صينية الصنع، سواء كانت (بنادق، قاذفات مضادة للدبابات) لدى حركة حماس، وهو ما أثار تساؤلات إستخباراتية وعسكرية إسرائيلية وأمريكية حساسة، حول كيفية وصولها، فضلاً عن التساؤل الإسرائيلى الأمريكى حول أسباب تغاضى بكين عن تسرب هذه الأسلحة عبر أطراف ثالثة مثل إيران وأذرعها وكيفية وصولها لحركة حماس المعادية لإسرائيل؟
ونلاحظ مدى تدهور العلاقات الإسرائيلية الصينية بعد حرب غزة على وجه الخصوص، حيث إنتقلت النظرة الإستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية للصين من شريك إقتصادى إلى تهديد أمنى محتمل، يميل نحو المحور الإيرانى فى مواجهة تل أبيب، مما دفع جهاز الموساد الإسرائيلى لتكثيف الرقابة على الإستثمارات والتقنيات الصينية داخل إسرائيل. كما كشفت تحقيقات إستخباراتية وعسكرية داخلية إسرائيلية عن وجود تنسيق محتمل فى حملات الدعاية المضادة لتل أبيب عبر الإنترنت بين الصين وروسيا وإيران، لنشر سرديات معادية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وبالتالى زيادة حالة العداء العالمى والإقليمى لواشنطن وتل أبيب.
كما باتت الدوائر الإستخباراتية والعسكرية والفكرية فى تل أبيب وواشنطن تتخوف بالأساس من إمتداد دائرة الصراع الصينى الأمريكى إلى دائرة النفوذ فى الشرق الأوسط الجديد، عبر لعب الصين إستراتيجية (السياسة الخارجية للدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية)، عبر دور الوساطة الصينية فى كافة الصراعات القائمة فى منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقى الحساسة، وهو ما يقوض مصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ومن هنا يراقب جهاز الموساد الإسرائيلى كافة محاولات الصين للعب دور “صانع السلام” البديل للولايات المتحدة الأمريكية، بما فى ذلك إستضافتها لكافة الفصائل الفلسطينية المتناحرة كحماس وفتح داخل العاصمة الصينية بكين نفسها، ومحاولة التوسط الصينية لإنهاء الحرب، وهو ما تراه إسرائيل تقويضاً لمصالحها الأمنية فى مواجهة الصين.



