فنزويلا… والحرب العالمية القادمة: رسالة موجهة!

بقلم: ناصر السلاموني
ما جرى ويجري في فنزويلا من تدخلات وضغوط وجرائم سياسية واقتصادية يعيد إلى الأذهان نماذج مأساوية شهدها العالم من قبل، وعلى رأسها العراق. فالمشهد يتكرر، والأدوات تتغير، لكن العقلية واحدة: عقلية الهيمنة وفرض الإرادة بالقوة، تحت غطاء شعارات زائفة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
فمنذ نشأتها، لم تتردد الولايات المتحدة في التدخل في شؤون دول مستقلة، وتدمير دول كاملة بذرائع أخلاقية وإنسانية براقة. غير أن التجربة التاريخية، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، أثبتت أن الهدف الحقيقي في معظم هذه الحالات لم يكن يومًا حماية الشعوب، بل السيطرة على الثروات ونهب مقدرات الدول، دون اكتراث بما يترتب على ذلك من قتل للمدنيين، أو تدمير للبنية التحتية، أو تفكيك للمجتمعات، وهو نهج لا يختلف في جوهره عن ممارسات القوى الاستعمارية الغربية في مراحل سابقة.
وتأتي فنزويلا في قلب هذا السياق، فهي ليست دولة هامشية في النظام الدولي، بل واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية. إذ تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد عالميًا، يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، والذهب، ومعادن نادرة ذات أهمية استراتيجية مثل الكولتان والليثيوم، فضلًا عن إمكانات هائلة في مجالي الطاقة الكهرومائية والزراعة، وفق تقديرات وتقارير دولية معتمدة في مجال الطاقة والموارد.
هذه الثروة الاستثنائية جعلت فنزويلا، منذ عقود، في قلب الصراع الدولي. ورغم هذا المخزون الهائل، لا يتجاوز إنتاجها النفطي حاليًا أقل من مليون برميل يوميًا، في وقت يتزايد فيه القلق العالمي بشأن استقرار أسواق الطاقة، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واحتمالات المواجهة في شرق آسيا. وفي ظل هذه الظروف، تصبح فنزويلا هدفًا بالغ الأهمية، ليس فقط لتأمين إمدادات النفط، بل أيضًا للسيطرة على المعادن الاستراتيجية التي باتت عنصرًا حاسمًا في الاقتصاد العالمي وصناعات المستقبل.
غير أن العامل الاقتصادي وحده لا يفسر حجم الاستهداف. ففنزويلا اختارت، بوضوح، الخروج عن الاصطفاف السياسي الغربي، ورفضت الخضوع للإملاءات الأمريكية، واتخذت مواقف مستقلة في السياسة الدولية، من بينها دعمها العلني للقضية الفلسطينية. وفي عالم تحكمه المصالح، يصبح الانحياز للمظلوم جريمة سياسية، يُعاقَب عليها بالحصار والعقوبات، ومحاولات العزل، وإشعال الأزمات الداخلية، وربما بالتدخل المباشر.
وقد تجلّت هذه العقلية بوضوح في تصريحات أمريكية متكررة خلال السنوات الماضية، تحدثت صراحة عن النفط الفنزويلي بوصفه ملفًا يخضع للإدارة والوصاية، من الاستخراج إلى التسويق، بما يعكس ذهنية استعمارية حديثة لا ترى في الدول سوى مخازن موارد. هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان السيناريو العراقي؛ دولة غنية بالنفط خضعت لحصار طويل، ثم لعملية عسكرية دمّرت مؤسساتها، وفتحت أبوابها أمام الفوضى ونهب الثروات. الفرق أن العراق دُمّر بالقوة العسكرية المباشرة، بينما تتعرض فنزويلا اليوم لحرب مركّبة، تشمل حصارًا اقتصاديًا خانقًا، وحملات تشويه إعلامية منظمة، ومحاولات انقلاب متكررة، مع بقاء الخيار العسكري حاضرًا كتهديد دائم.
واللافت أن الاعتراف بحقيقة ما يجري لم يقتصر على خصوم الولايات المتحدة، بل ظهر أيضًا داخل أوساط سياسية وإعلامية أمريكية، حيث صدرت تصريحات وتعليقات تشير بوضوح إلى أن ما يحدث في فنزويلا لا تحكمه اعتبارات الديمقراطية أو مكافحة الجريمة، بقدر ما تحكمه مصالح الطاقة والاقتصاد. كما تناولت وسائل إعلام أمريكية كبرى طبيعة هذه الممارسات بوصفها نموذجًا لاستخدام النفوذ خارج أي ضوابط حقيقية للقانون الدولي.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن النظر إلى ما تتعرض له فنزويلا بوصفه رسالة تحذير مباشرة لكل دولة تمتلك ثروات استراتيجية وترفض الخضوع للإرادة الأمريكية. بل إن هذا النموذج قد يمثل مرحلة تمهيدية لصراعات أوسع، وربما لحرب عالمية قادمة تُدار بأدوات اقتصادية وسياسية وإعلامية، قبل أن تتحول – إذا لزم الأمر – إلى صدامات مفتوحة، يكون هدفها إعادة توزيع الثروات بالقوة وفرض نظام دولي أحادي القطبية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين القانون الدولي؟ وأين مبدأ سيادة الدول؟ فالولايات المتحدة تطالب الآخرين باحترام القواعد، لكنها تضع نفسها دائمًا فوقها، باعتبارها استثناءً لا يُحاسَب. أما أوروبا، فرغم إدراكها الكامل لطبيعة ما يحدث، فإنها غالبًا ما تختار الصمت، إما حفاظًا على مصالحها، أو خوفًا من كلفة المواجهة.
وإذا كان هذا هو مصير دولة بحجم فنزويلا، فكيف سيكون حال دول أضعف، أو أنظمة أكثر هشاشة، أو شعوب لا تملك قرارها السيادي؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، قبل أن تتحول الرسالة إلى واقع لا يمكن تغييره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى