السيناريوهات المستقبلية بعد “يوم التحرير”.. ترامب يربك العالم

ترامب أعلن عن تصعيد غير مسبوق في حربه التجارية، حيث فرض تعريفة جمركية شاملة بنسبة 10% على جميع الواردات، قبل أن يعلن زيادات أعلى بنسب متفاوتة على حلفاء وخصوم، بما في ذلك 46% على فيتنام، 34% على الصين، 24% على اليابان، و20% على الاتحاد الأوروبي، في خطوة تمثل أعنف تحرك أمريكي في السياسة التجارية منذ قرن تقريبًا. القرار تم تقديمه بطريقة استعراضية، مما يعكس أسلوب ترامب المعتاد في إضفاء الطابع المسرحي على القرارات السياسية الكبرى، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
ردود الفعل الدولية جاءت سريعة، حيث أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي جاهز للرد بفرض تعريفات جمركية على الصادرات الأمريكية، خاصة في قطاع الخدمات والتكنولوجيا. اليابان بدورها أكدت أن جميع الخيارات متاحة أمامها، بينما تدرس بعض الحكومات التنسيق فيما بينها لاتخاذ إجراءات انتقامية منسقة، ما ينبئ باندلاع حرب تجارية واسعة النطاق قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
الولايات المتحدة كانت تقود النظام التجاري العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث لعبت دور الحارس للأسواق المفتوحة، وبلغ هذا الدور ذروته مع تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995. لكن الآن، مع فرض هذه الرسوم الجمركية، فإن واشنطن تنتهك بوضوح مبدأ عدم التمييز الذي يعد أحد الركائز الأساسية للمنظمة، ما يضعف مصداقيتها على الساحة الدولية ويفتح المجال أمام إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
دول العالم بدأت تبحث عن بدائل، ولم تعد تحاول إنقاذ النظام القديم، بل تبني ترتيبات جديدة تقلل من اعتمادها على الطلب الأمريكي وتحميها من فائض الإنتاج الصيني المدعوم حكوميًا. هذا التحول لا يعكس فقط الغضب من السياسات الأمريكية، بل أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد على سوق واحد، سواء كان أمريكا أو الصين، لم يعد مستدامًا في ظل التوترات التجارية المتصاعدة.
الاتحاد الأوروبي وكندا أعلنا بالفعل عن تعريفات جمركية انتقامية بمليارات الدولارات ردًا على رسوم ترامب السابقة على الألمنيوم والصلب. هذه الإجراءات يتم تبريرها باعتبارها “تدابير وقائية” مسموح بها وفقًا لقوانين منظمة التجارة العالمية، وهو تلاعب قانوني واضح، لكنه يمر دون معارضة حقيقية بسبب شلل هيئة الاستئناف التابعة للمنظمة، ما يعكس تفكك النظام القانوني الذي حكم التجارة العالمية لعقود.
الصين تواجه ضغوطًا متزايدة، حيث تم استهدافها بـ 198 تحقيقًا في ممارسات الإغراق والدعم الحكومي خلال العام الماضي، وهو ضعف العدد المسجل في العام الذي سبقه. دول ناشئة مثل الهند والبرازيل وتركيا أصبحت تقود هذه التحقيقات، ولم تعد تكتفي بالاعتماد على منظمة التجارة العالمية، بل بدأت تتخذ إجراءات أحادية الجانب، ما يعكس تآكل سلطة المنظمة والتوجه نحو نظام أكثر فوضوية قائم على المصالح الوطنية الضيقة.
الدول تحاول تنويع شراكاتها التجارية، حيث أدى تراجع حصة الولايات المتحدة والصين من التجارة العالمية إلى فتح المجال أمام قوى أخرى للعب دور أكبر. في عام 2000، كانت الولايات المتحدة تمثل خمس الواردات العالمية، أما اليوم فتراجعت حصتها إلى الثمن فقط، ما يعكس تحولًا في أنماط التجارة العالمية بعيدًا عن الاعتماد على المستهلك الأمريكي.
ظهرت كتلتان تجاريتان جديدتان، الأولى تضم دولًا تلتزم بالسوق المفتوح مثل دول اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ، والتي تشمل أستراليا وكندا واليابان والمكسيك وغيرها، إضافة إلى دول أوروبية مثل النرويج وسويسرا. هذه الدول تمثل مع الاتحاد الأوروبي أكثر من ثلث الطلب العالمي على الواردات، ما يمنحها نفوذًا كافيًا لمواجهة السياسة التجارية الأمريكية والصينية.
الكتلة الثانية تضم دولًا مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا وتركيا، والتي تتبنى نهجًا براغماتيًا في التجارة، حيث تحرر أسواقها عند الحاجة لكنها تحمي صناعاتها الاستراتيجية من خلال التعريفات والدعم الحكومي. هذه الدول تشكل أكثر من 15% من الواردات العالمية، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في المشهد الاقتصادي الجديد.
دول مثل البرازيل وإندونيسيا بدأت تعتمد أكثر على الصين لتعويض السوق الأمريكية، حيث زادت صادراتها من السلع الخام مثل فول الصويا وخام الحديد إلى الصين. في المقابل، تستفيد من تدفق البضائع الصينية الرخيصة مثل الإلكترونيات والمنسوجات، ما يعيد تشكيل العلاقات التجارية بعيدًا عن النفوذ الأمريكي التقليدي.
الشراكات التجارية تتوسع بسرعة، حيث أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقات مع تشيلي والمكسيك، واستأنف المفاوضات مع ماليزيا والفلبين، في حين تعمل كندا على تسريع مفاوضاتها مع دول الآسيان. الدافع الأساسي لهذا الحراك السريع هو المخاوف من السياسات الحمائية الأمريكية، ما يدفع الدول إلى تأمين بدائل قبل أن تتفاقم الحرب التجارية.
اتفاق ميركوسور بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الجنوبية، الذي كان معلقًا لأكثر من 25 عامًا، تم إحياؤه فجأة بسبب سياسات ترامب. هذا الاتفاق سيخلق سوقًا ضخمة تضم أكثر من 700 مليون مستهلك، وسيزيل العقبات أمام تجارة السيارات والآلات والخدمات، مما يمنح الشركات الأوروبية ميزة تنافسية في القارة الأمريكية الجنوبية.
كندا تبنت استراتيجية تنويع تجاري منذ ثماني سنوات، ووقعت خلال هذه الفترة 16 اتفاقية جديدة، آخرها مع الإكوادور. كما بدأت محادثات تجارية مع الفلبين وأكملت شراكة مع إندونيسيا، ما يعكس توجهها نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
الدول الناشئة مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل بدأت تتخذ إجراءات لحماية أسواقها من الطوفان المتوقع من الصادرات الصينية، لكنها تفعل ذلك بطرق أكثر استراتيجية، من خلال فرض تعريفات انتقائية والتفاوض على اتفاقيات جديدة مع شركاء تجاريين متنوعين.
منظمة التجارة العالمية لا تزال تلعب دورًا، رغم ضعفها، حيث إنها توفر الإطار القانوني لأكثر من 80% من التجارة العالمية. الاتحاد الأوروبي و16 دولة أخرى، بما في ذلك الصين، أنشأوا آلية تحكيم بديلة لتعويض انهيار نظام تسوية النزاعات في المنظمة.
اتفاقيات تجارية إقليمية بدأت تحل محل النظام العالمي المتعثر، حيث يبرز اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ كأحد أهم الأطر التي تضع قواعد جديدة للتجارة، تشمل معايير رقمية وبيئية وعمالية أكثر صرامة. الصين تحاول الانضمام إلى هذا الاتفاق، لكن الدول الأعضاء تشترط عليها إصلاح سياساتها التجارية أولًا.
بعض الدول الأوروبية تفكر في الانضمام إلى اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، لكن ذلك يظل احتمالًا ضعيفًا بسبب الفروقات التنظيمية الكبيرة بين أوروبا وأعضاء الاتفاق. بدلاً من ذلك، تركز بروكسل على اتفاقيات ثنائية، مثل الاتفاق الرقمي مع كوريا الجنوبية، الذي يعد خطوة نحو وضع معايير جديدة للتجارة الإلكترونية.
التجارة العالمية تتجه نحو التعددية القطبية، حيث لم يعد النظام التجاري يدار من قبل أمريكا والصين وحدهما، بل باتت قوى أخرى مثل الاتحاد الأوروبي والهند والبرازيل تلعب دورًا في صياغة القواعد الجديدة. هذا التحول يعكس عالماً أكثر انقسامًا لكنه أيضًا أكثر توازنًا تجاريًا.
الصين تسعى لاستغلال تراجع النفوذ الأمريكي لتعزيز علاقاتها التجارية، حيث بدأت محادثات جديدة مع اليابان وكوريا الجنوبية بعد توقف دام خمس سنوات، كما عرضت على الهند زيادة الواردات من المنتجات الهندية، في محاولة لإعادة تشكيل التوازن التجاري الإقليمي.
السيناريوهات المستقبلية تعتمد على موقف أوروبا، فإذا قررت تشكيل تحالف قوي مع حلفائها التجاريين، فقد تنجح في إعادة بناء نظام تجاري عالمي أكثر استقرارا. أما إذا فشلت في توحيد صفوفها، فقد تجد نفسها مضطرة للعب وفق القواعد الصينية، مما قد يؤدي إلى نظام تجاري أكثر فوضوية وأقل عدالة.